الشيخ محمد هادي معرفة
170
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بالاستطاعة إلى الحجّ الواجب ، فبيّن صلى الله عليه وآله وسلم أنّه القدرة على الزاد والراحلة ، إن كان ذلك بوسعه من غير تكلّف . وهذا كناية عن الاستطاعة الماليّة ، كما فهمه الفقهاء رضوان اللّه عليهم . 3 . وهكذا لمّا سألته عائشة عن الكسوة الواجبة في كفّارة الأيمان ، في قوله تعالى : « فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ » « 1 » أجاب صلى الله عليه وآله وسلم : « عباءة لكلّ مسكين » « 2 » . 4 . وسأله رجل من هذيل عن قوله تعالى : « وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » « 3 » قال : يا رسول اللّه ، من تركه فقد كفر ؟ ! نظرا لأنّ هذا العنوان « مَن كَفَرَ » أُطلق على من ترك الحجّ ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « من تركه لا يخاف عقوبته ولا يرجو مثوبته » « 4 » كناية عمّن تركه جحودا لا يؤمن بعاقبته ، فهذا كافر بالمعاد وبيوم الجزاء والحساب ، الأمر الذي يعود إلى إنكار ضروريّ للدين وإنكار الشريعة رأسا ، أمّا الذي تركه لا عن نكران فهو فاسق عاص وليس بكافر جاحد . وهكذا روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام حينما سأله أخوه عليّ بن جعفر : من لم يحجّ منّا فقد كفر ؟ ! ق - ال : لا ، ولكن من قال : ليس هذا هكذا فقد كفر « 5 » . 5 . وسئل عن قوله تعالى : « كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ » « 6 » ، ما معنى « عِضينَ » ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « آمنوا ببعض وكفروا ببعض » « 7 » . فالآية الكريمة إنكار على الذين فرّقوا بين أجزاء القرآن . الأمر يثير السؤال عن المراد من هذه التجزئة المستنكرة ؟ ومن ثَمّ كان الجواب : إنّها التفرقة في الإيمان بالبعض والكفر بالبعض .
--> ( 1 ) - . المائدة 89 : 5 . ( 2 ) - . الإتقان ، ج 4 ، ص 221 . ( 3 ) - . آل عمران 97 : 3 . ( 4 ) - . الإتقان ، ج 4 ، ص 218 . ( 5 ) - . تفسير الصافي ، ج 1 ، ص 282 . ( 6 ) - . الحجر 90 : 15 و 91 . ( 7 ) - . الإتقان ، ج 4 ، ص 234 . عضون : جمع عُضَة بمعنى عُضْو ، كقولهم : ثُبَة وظُبَة ، والجمع : ثِبُون وظِبوُن . ومعنى العضين : جَعْلُه عضوا عضوا ، أي في أجزاء متفرّقة كالتعضية ، بمعنى التفرقة ، فهو تجزئة الأعضاء .